الحلبي
23
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
فسموا الأحلاف لتحالفهم بعد أن أخرجوا جفنة مملوءة دما من دم جزور نحروها ثم قالوا : من أدخل يده في دمها فلعق منه فهو منا وصاروا يضعون أيديهم فيها ويلعقونها فسموا لعقة الدم . وقيل الذين لعقوا الدم فسموا لعقة الدم بنو عدي خاصة ، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف ، والحجابة واللواء لبني عبد الدار ، ودار الندوة بينهم بالاشتراك ، وتحالفوا على ذلك هذا . والذي رأيته « في المشرق فيما يحاضر به من آداب المشرق » : ولما شرف عبد مناف بن قصي في حياة أبيه ، وذهب شرفه كل مذهب ، وكان قصي يحب ابنه عبد الدار أراد أن يبقي له ذكرا فأعطاه الحجابة ودار الندوة واللواء ، وأعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة ، وجعل عبد الدار الحجابة لولده عثمان ، وجعل دار الندوة لولده عبد مناف بن عبد الدار ، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، ثم وليها ولده من بعده . والسقاية كانت حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة ، وينقل إليها الماء العذب من الآبار على الإبل في المزاود والقرب قبل حفر زمزم ، وربما قذف فيها التمر والزبيب في غالب الأحوال لسقي الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا ، وهذه السقاية قام بها وبالرفادة بعد عبد مناف ولده هاشم ، وبعده ولده عبد المطلب ، وكان شريفا مطاعا جوادا ، وكانت قريش تسميه الفياض لكثرة جوده ، فلما كبر عبد المطلب فوّض إليه أمر السقاية والرفادة ، فلما مات المطلب وثب عليه عمه نوفل بن عبد مناف وغصبه أركاحا : أي أفنية ودورا ، فسأل عبد المطلب رجالا من قومه النصرة على عمه نوفل فأبوا وقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك فكتب إلى أخواله بني النجار بالمدينة بما فعله معه عمه نوفل ، فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى ، وسار من المدينة في ثمانين راكبا حتى قدم مكة فنزل الأبطح ، فتلقاه عبد المطلب وقال له المنزل يا خال ، فقال : لا واللّه حتى ألقى نوفلا ، فقال : تركته في الحجر جالسا في مشايخ قريش ، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم ، فقام نوفل قائما وقال : يا أبا سعد ، أنعم صباحا فقال له أبو سعد : لا أنعم اللّه لك صباحا ، وسل سيفه وقال : ورب هذه البنية لئن لم تردّ على ابن أختي أركاحه لأملأن منك هذا السيف ، فقال : قد رددتها عليه ، فأشهد عليه مشايخ قريش ، ثم نزل على عبد المطلب ، فأقام عنده ثلاثا ثم اعتمر ورجع إلى المدينة . ولما جرى ذلك حالف نوفل وبنوه بني أخيه عبد شمس على بني هاشم ، وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني نوفل وبني عبد شمس : أي فإن خزاعة قالت : نحن أولى بنصرة عبد المطلب ، لأن عبد مناف جد عبد المطلب أمه حبى بنت حليل